فصل: تفسير الآيات (4- 5):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روائع البيان في تفسير آيات الأحكام



.ما يرشد إليه الآيات الكريمة:

أولاً- القرآن دستور الأمة الإسلامية وعلى المسلمين أن يتمسكوا بتعاليمه الرشيدة.
ثانياً- التشريع لله وحده الذي شرع الأحكام لمصالح عبادة المؤمنين.
ثالثاً- الأحكام الشرعية يجب تنفيذها بدقة، وتطبيقها على الوجه الأكمل.
رابعاً- الحدودُ شرعت لحفظ الأعراض، وصيانة الأنساب، والحِفاظ على الكرامة الإنسانية.
خامساً- يجب أن تنفَّذ الحدودُ بمشهد من الناس ليرتدع أهل الفسق والفجور.
سادساً- استيفاء الحدود من واجب الحاكم المسلم لتطهير المجتمع من أدران الفاحشة.
سابعاً- الرجل والمرأة في اقتراف الفاحشة سواء فيجب أن تسوّى بينهما العقوبة.
ثامناً- الزنى جريمة دينية، وخلقية، واجتماعية، ولذلك حرَّمه الله تعالى.
تاسعاً- لايجوز تعطيل الحدود، ولا الشفاعة فيها لئلا تكثر الجرائم في المجتمع، ويختلَّ الأمن.
عاشراً- لا يليق بالمؤمن العفيف أن يتزوج بالفاسقة أو الفاجرة، كما لا يليقُ بالعفيفة أن تتزَّوج بالفاسق أو الفاجر من الرجال.

.خاتمة البحث:

حكمة التشريع:
يعتبر الزنى في نظر الإسلام جريمة من أشنع الجرائم، ومنكراً من أخبث المنكرات، ولذلك كانت عقوبته شديدة صارمة، لأن في هذه الجريمة هدراً للكرامة الإنسانية، وتصديعاً لبنيان المجتمع، وفيه أيضاً تعريض النسل للخطر، حيث يكثر (اللقطاء) وأولاد البغاء، ولا يكون هناك من يتعهدهم ويربيهم وينشِّئُهم النشأة الصالحة!!
ومن أهداف الشريعة الإسلامية الغراء، وأغراضها الأساسية، حفظُ الضروريات الخمس وهي (العقل- والنسل- والنفس- والدين- والمال) وسميت بالضروريات: أو الكليات الخمس لأن جميع الأديان والشرائع قررت حفظها، وشرعت ما يكفل حمايتها لأنها ضرورية لحياة الإنسان. ولما كان (النسل) هو أحد هذه الضروريات لذلك شرع الإسلام من العقوبات الصارمة الزاجرة ما يقطع دابر هذه الجريمة ويحقق الأمن والاستقرار للمجتمع.
ولعل بعض الذين تأثروا بالثقافة الغربية، يرون في هذه الحدود والعقوبات شيئاً من الشدة والقسوة لا تتفق مع روح العصر، وتعارض الحرية الشخصية وخاصة (حرية المرأة) التي أطلقها لها الغرب باسم التحرر والمساواة، وتحت شعار (الديمقراطية) التي قررها لها القانون.
والواقع أن العقوبة التي شرعها الإسلام صارمة، ولكنها في الوقت نفسه عادلة فمن الذي يعاقب بهذا العقاب؟ أليس هو الشخص المستهتر الذي يسعى في طريق شهوته كالحيوان لا يبالي بأي طريق نال الشهوة ولا ما يترتب عليها من أخطار وأضرار؟
إن الذي يرتكب هذه الجريمة لمجرد الاستمتاع والشهوة ليس إنساناً بل هو حيوان، وذلك لأن الحيوان تسيطر عليه شهوته فهو يسير تبعاً لها، والإنسانُ يحكمه عقله ولهذا يسير مع منطق العقل، وليست هذه الغريزة التي أودعها الله في الإنسان لمجرد نيل الشهوة أو قضاء الوطر، بل هي من أجل غاية نبيلة سامية هي (بقاء النسل).
والله- جل وعلا- بحكمته العلية، جعل هذا الارتباط بين الذكر والأنثى، ولكنه لم يسمح به بطريق الفوضى كما تفعل الحيوانات، حيث ينزو بعضها على بعض، وإنما سمح به في دائرة (الطهر والعفة) وبطريق الزواج الشرعي، الذي يحقِّق الهدف النبيل والغاية الإنسانية المُثْلى في بقاء النوع الإنساني كما قال تعالى: {والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72].
والإسلام يعتبر الزنى لوثه أخلاقية وجريمة اجتماعية خطيرة، ينبغي أن تكافح بدون هوادة، ولكنه لا يفرض هذه العقوبة الصارمة (الجلد أو الرجم) لمجرد التهمة أو الظن بل على العكس يودب التحقق والتثبت، ويدرأ الحد بالشبهات ويشرط شروطاً شديدة تكاد لا تتوفر هي شهادة (أربعة رجال) مؤمنين عدول يشهدون بوقوعها، ويشهدون على مثل ضوء الشمس، أو اعترافاً صريحاً لا شبهة فيه من الشخص الذي قارف الجريمة.
والغربيون لا يعتبرون الزنى جريمة يعاقب عليها القانون إلا إذا كان بالإكراه أو كان اعتداء على حرية الغير، أما إذا كان بالرضى فليس فيه ما يدعو إلى العقوبة لأنه يخلو حينئذ عن فكرة (العدوان).
فالزنى- في نظرهم- وإن كان عيباً إلا أنه ليس بجريمة على كل حال، فإذا زنى الرجل البكر بامرأة بكر فإن فعلهما ليس بفاحشة مستلزمة للعقوبة إلا إذا كان ذلك بالإكراه فإنه يعاقب للإكراه بعقوبة خفيفة، وأما إذا زنى بامرأة متزوجة فللزوج أن يطالبه بتعويضٍ (غرامة مالية) من الرجل الذي أفسد زوجته فنظرتهم إذن هي نظرة مادية، ومن أجل ذلك تهدَّم المجتمع وتخربت الأسر، وانتشرت تلك الأوباء والجرائم الخلقية فيهم.
فأين هذا من تشريع العليم الحكيم الذي صان الأعراض، وحفظ الأنساب، وطهَّر المجتمع من لوثه تلك الجريمة الشنيعة؟

.تفسير الآيات (4- 5):

{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)}
[2] قذف المحصنات من الكبائر:

.التحليل اللفظي:

{يَرْمُونَ}: أي يقذفون بالزنى، وأصل الرمي القذف بالحجارة أو بشيء صلب، ثم استعير للقذف باللسان، لأنه يشبه الأذى الحسي كما قال النابغة: (وجرحُ اللسان كجرح اليد) وقال الشاعر:
رماني بأمرٍ كنتُ منه ووالدي ** بريئاً ومن أجل الطَوّي رماني

أي اتهمني بشيء أنا منه برئ.
{المحصنات}: العفيفات جمع محصنة بمعنى العفيفة قال تعالى: {والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء: 91] أي عفّت، وأصل الإحصان المنع ومنه يسمى (الحصن) قال في (لسان العرب): يقال امرأة حَصَان وحَاصِن وكلّ امرأة عفيفة مُحصَنَة ومُحْصنة (بالفتح والكسر) وكل امرأة متزوجة مَحصَنة (بالفتح) لا غير، وفي شعر حسان يثني على عائشة رضي الله عنها:
حَصَان رزان ما تُزَنّ بريبة ** وتصبح غَرْثى من لحوم الغوافل

والمرأة تكون محصنة بالإسلام، والعفاف، والحرية، والتزوج كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
{شُهَدَآءَ}: جمع شاهد، أي يشهدون عليهن بوقوع الزنى، والمراد بالشهداء الرجال لأن الآية ذكرت العدد مؤنثاً (بأربعة) ومن المعلوم أن العدد يؤنث إذا كان المعدود مذكراً، ويُذكَّر إذا كان المعدود مؤنثاً فتقول (أربع نسوة، وأربعة رجال) فلا تقبل شهادة النساء في حد القذف كما لا تقبل في حد الزنى ستراً على العباد.
{فاجلدوهم}: قال القرطبي: الجلد الضرب، والمجالدة المضاربة في الجلود أو بالجلود، ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف أو غيره، ومنه قول قيس بن الخطيم:
أجالدهم يومَ الحديقة حاسراً ** كأنَّ يدي بالسيف محْرَاق لاعب

وقد تقدم معنى الجلد في آيات الزنى مفصلاً فارجع إليه.
{الفاسقون} جمع فاسق وهو العاصي، والفسقُ الخروجُ عن الطاعة، ومجاوزة الحد في ارتكاب المعاصي قال تعالى: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وكل خارج عن طاعة الله يسمى فاسقاً، وكل منكر أو مكذب لآيات الله يسمى كافراً.

.المعنى الإجمالي:

يخبر الله جل ثناؤه بأن الذين ينتهكون حرمات المؤمنين، فيرمون العفائف الشريفات الطاهرات بالفاحشة، ويتهمونهن بأقدس وأثمن شيء لدى الإنسان ألا وهو (العرض والشرف) فينسُبونهن إلى الزنى، ثم لم يأتوا على دعواهم بأربعة شهداء عدول، يشهدون عليهن بما نسبوا إليهن من الفاحشة فاجلدوا الذين رموهن بذلك (ثمانين) جلدة، لأنهم فسقة كذبة يتهمون الأبرياء ويحبون إشاعة الفاحشة، وزيدوا لهم في العقوبة بإهدار كرامتهم الإنسانية، فلا تقبلوا شهادة أي واحد منهم ما دام مصراً على بهتانه وأولئك عند الله من أسوأ الناس منزلة وأشدهم عذاباً، لأنهم فساق خارجون عن طاعة الله عزّ وجلّ، لا يحفظون كرامة مؤمن، ويقعون في أعراض الناس شأن أهل الضلال والنفاق، الذين يسعون لتهديم المجتمع الإسلامي وتقويض بينانه، وأما إذا تابوا وأنابوا وغيّروا سيرتهم وأصلحوا أحوالهم، ورجعوا عن سلوك طريق الغي والضلال فاعفوا عنهم واصفحوا، واقبلوا اعتذارهم، وردوا إليهم اعتبارهم، فإن الله غفور رحيم يقبل توبة عبده إذا تاب وأناب وأصلح حاله.

.سبب النزول:

يرى بعض المفسرين أن هذه الآيات نزلت بسبب (حادثة الإفك) التي اتهمت فيها أم المؤمنين العفيفة البريئة الطاهرة الصدِّيقة (عائشة بنت أبي بكر الصديق) رضي الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي نزلت براءتها من السماء فكان ذلك درساً بليغاً للأمة، وعبرة للأجيال في جميع العصور والأزمان.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: وذُكِر أن هذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بما رموها به من الإفك: ثم روى عن سعيد بن جبير أنه سئل (هل الزنى أشد أو قذف المحصنة)؟ قال: لا بل الزنى، قلت: إن الله يقول: {والذين يَرْمُونَ المحصنات} قال: إنما هذا في حديث عائشة خاصة.
والصحيح ما ذكره القرطبي واختاره الطبري أن هذه الآية نزلت بسبب القذفة عامة لا في تلك النازلة بعينها فهي حكم من الله عام لكل قاذف، ومن المعلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

.لطائف التفسير:

اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {يَرْمُونَ المحصنات} أجمع العلماء أن المراد به (الرمي بالزنى) واستدلوا على ذلك بوجوه:
أحدها: تقدم ذكر الزنى في الآيات السابقة.
ثانيها: أنه تعالى ذكر (المحصنات) وهن العفائف فدل على أن المراد رميها بضد العفاف وهو الزنى.
ثالثها: انعقاد الإجماع على أنه لا يجب (الجلد) بالرمي بغير الزنى.
رابعها: قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} ومعلوم أن هذا العدد غير مشروط إلا في الزنى. أفاده الفخر الرازي.
اللطيفة الثانية: تخصيص النساء في قوله: {المحصنات} لخصوص الواقعة، ولأن قذفهن أغلب وأشنع، وفيه إيذاء لهن ولأقربائهن، وإلا فلا فرق بين الذكر والأنثى في الحكم، وقيل في الآية حذف تقديره (الأنفس المحصنات) فيكون اللفظ شاملاً للنساء والرجال وقد حُكي هذا عن ابن حزم، والراجح أنه من باب التغليب.
اللطيفة الثالثة: في التعبير بالإحصان إشارة دقيقة إلى أن من قذف غير العفيف (من الرجال أو النساء) لا يحد حد القذف، وذلك فيما إذا كان الشخص معروفاً فجوره، أو اشتهر بالعبث والمجون، فإن حد القذف إنما شرع لحفظ كرامة الإنسان الفاضل، ولا كرامة للفاسق الماجن، فتدبر السر الدقيق.
اللطيفة الرابعة: حكم الله تعالى على قاذف المحصنة (العفيفة) بثلاث عقوبات.
1- الجلد ثمانين جلدة عقوبة له.
2- إهدار الكرامة الإنسانية برد الشهادة.
3- تفسيق القاذف بجعله في زمرة (الفسقة).
ولم يحكم في الزنى إلا بالجلد مائة جلدة للبكر، وفي ذلك دليل على خطورة هذه التهمة، وعلى أن القذف من الكبائر، وأن جريمته عند الله عظيمة.
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {وَأَصْلَحُواْ} وفيه دليل على أن التوبة وحدها لا تكفي، بل لا بد من ظهور أمارات الصلاح عليه، فإن هذا الذنب مما يتعلق بحقوق العباد ولذلك شدد فيه.
قال الرازي: قال أصحابنا إنه بعد التوبة لا بد من مضيِّ مدة عليه لظهور حسن الحال حتى تقبل شهادته وتعود ولايته، ثم قدَّروا تلك المدة بسنة كما يضرب للعنيّن أجل سنة.
اللطيفة السادسة: قال ابن تيمية: ذكَرَ تعالى عدد الشهداء، وأطلق صفتهم، ولم يقيدهم (ممن نرضى) ولا (من ذوي العدل) لكن يقال: لم يقيدهم بالعدالة وقد أمرنا الله أن نحمل الشهادة المحتاج إليها لأهل العدل والرضى لقوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا} [الأنعام: 152] وقوله: {كُونُواْ قوامين بالقسط} [النساء: 135] وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ} [المعارج: 33] فهم يقومون بها بالقسط لله فيشترط هنا ما اشتُرط هناك.

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: ما هي الإحصان؟
ورد معنى (الإحصان) في الشريعة الإسلامية لأربعة أمور وهي:
أ- العفة: قال تعالى: {والمحصنات مِنَ المؤمنات والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} [المائدة: 5] بمعنى العفيفات من المؤمنات والعفيفات من الكتابيات.
ب- الحرية: قال تعالى: {فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب} [النساء: 25] أي أن عقوبة الأمة المملوكة نصف عقوبة الحرة.
ج- التزوج: قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم...} إلى قوله: {والمحصنات مِنَ النسآء} [النساء: 23- 24] أي المتزوجات من النساء.
د- الإسلام: قال صلى الله عليه وسلم: «من أشرك بالله فليس بمحصن» فالإنسان يكون محصناً بالعفاف وبالحرية وبالإسلام وبالتزوج وأشهر معاني إطلاق لفظ الإحصان (العفة) وهو المراد بالآية الكريمة فمن قذف شخصاً غير عفيف لا يحد باتفاق الفقهاء.
الحكم الثاني: ما هي شروط القذف؟
للقذف شروط لا بد من توفرها حتى يكون جريمة تستحق عقوبة الجلد، وهذه الشروط عديدة.. منها ما يجب توفره في (القاذف) ومنها ما يجب توفره في (المقذوف) ومنها ما يجب توفره في الشيء (المقذوف به).
أما شروط القاذف فهي ثلاثة (1- العقل، 2- البلوغ، 3- الاختيار) فإن هذه أصل التكليف، ولا تكليف بدون هذه الأشياء والآية الكريمة وإن لم تشرط إلا عجز القاذف عن الإتيان بأربعة شهداء {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} ولم تشرط العقل والبلوغ وعدم الإكراه، إلا أن ذلك من قواعد الشريعة التي عُلِمت من النصوص الأخرى فإذا قذف المجنون او الصبي أو المكره، فلا حد على واحد منهم لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق» وقال صلى الله عليه وسلم: «رُفعَ عن أمتي الخطأُ والنسيانُ، وما استكرهوا عليه» أي ما أكرهوا عليه من الأقوال والأعمال. ولأن العقل مدار التكليف، والمجنونُ لا يعتد بكلامه فلا يؤثر قذفه... أما إذا كان الصبي مراهقاً بحيث يؤذي قذفه فإنه يعزَّر تعزيراً مناسباً لكن لا يحد حد القذف.
لأن من شروط حد القذف البلوغ.
الحكم الثالث: ما هي الشروط اللازم توفرها في المقذوف؟
ظاهر الآية الكريمة: {والذين يَرْمُونَ المحصنات} يتناول جميع العفائف سواء أكانت مسلمة أو كافرة، حرة أو رقيقة إلاَّ أن الفقهاء شرطوا في المقذوف خمسة شروط وهي: (1- الإسلام، 2- العقل 3- البلوغ 4- الحرية 5- العفة عن الزنى) وهذه الشروط يجب أن تتوفر في المقذوف حتىيقام الحد على القاذف وسنفصلها بعض التفصيل:
أولاً: أما الإسلام: فهو شرط لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أشرك بالله فليس بمحصن» وقد تقدم الحديث ومعناه على رأي جمهور العلماء: من أشرك بالله فلا حد على قاذفه، لأن غير المسلم (المشرك) لا يتورع عن الزنى فليس هناك ما يردعه عن ارتكاب الفاحشة إذ أنه ليس بعد الكفر ذنب، وكل جريمة تتصور من الكافر.
قال ابن العربي: ولأن عِرض الكافر لا حرمة له، كالفاسق المعلن لا حرمة لعرضه، بل هو أولى لزيادة الكفر على المعلن بالفسق.
ثانياً: وأما العقل: فلأنَّ الحد إنما شرع للزجر عن الأذية بالضرر الواقع على المقذوف، ولا مضرة على من فقد العقل، فلا يحد قاذفه.
ثالثاً: وأما البلوغ: فالأصل فيه أن الطفل لا يتصور منه الزنى كما لا يتصور النظر من الأعمى، فلا يحد قاذف الصغير أو الصغيرة عند الجمهور. وقال مالك رحمه الله: إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قذفاً: وقال أحمد رحمه الله: في الصبيَّة بنت تسع يحد قاذفها.
قال ابن العربي: والمسألة محتملة مشكلة، لكن مالك غلْب عرض المقذوف، وغيره راعي حماية ظهر القاذف، وحمايةُ عرض المقذوف أولى لأن القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحد. وصحح ابن المنذر الرأي الأول فقال: لا يحد من قذف من لم يبلغ، لأن ذلك كذب ويعزر على الأذى.
رابعاً: وأما الحرية: فالجمهور على اشتراطها، لأن مرتبة العبد تختلف عن مرتبة الحر، فقذف العبد- وإنْ كان حراماً- إلا أنه لا يحد القاذف وإنما يعزر لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قذف مملوكة بالزنى أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال» ولأن العبد ناقص الدرجة فلا يعظم عليه التعبير بالزنى. قال العلماء: (وإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع الملك، واستواء الشريف والوضيع، والحر والعبد، ولم يكن لأحد فضل إلا بالتقوى، ولما كان ذلك تكافأ الناس، وإنما لم يتكافئوا في الدنيا لئلا تدخل الداخلة على المالكين، وتفسد العلاقة بين السادة والعبيد، فلا تصل لهم حرمة، ولا فضلٌ في منزلة وتبطل فائدة التسخير، حكمة من الحكيم العليم لا إله إلا هو...).
وأما ابن حزم فقد خالف جمهور الفقهاء، فرأى أن قذف العبد يوجب الحد، وأنه لا فرق بين الحر والعبد في هذه الناحية وقال: وأما قولهم لا حرمة للعبد، ولا للأَمَةِ، فكلام سخيف، والمؤمن له حرمة عظيمة، وربَّ عبد جلفٍ خيرٌ من خليفة قرشي عند الله تعالى أقول: رأيُ ابن حزم هذا رأي وجيه لو لم يصادم النص المتقدم الذي استدل به الجمهور والأحكامُ لا تؤخذ بالآراء، وإنما بما ثبت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله... والحديث ثابت في الصحيحين فلا عبرة بخلافه.
خامساً: وأما العفة: فهي شرط عند جميع الفقهاء لم يخالف في ذلك أحد وإنما اعتبرناها للنص القرآني الكريم (يرمون المحصنات) فشرطت الآية أن يكون المقذوف (محصناً) أي عفيفاً، إذ غير العفيف قد يتباهى بالفسق والفجور، ويعتبر ذلك (تقدمية) والتمسك بالفضيلة والدين (رجعية) كما نسمع في زماننا هذا عن بعض الفاسقين الخارجين على الدين والأخلاق والآداب. ولأن الحد مشروع لتكذيب القاذف فإذا كان المقذوف زانياً فعلاً فالقاذف صادق في قذفه، وإذا كان المقذوف مشهوراً بالمجون والدعارة فقد أوجد شبهة لقاذفه (والحدودُ تدرأ بالشبهات) فلا يحد القاذف. ولو زنى شاب في عنفوان شبابه، ثم تاب وحسن حاله ثم شاخ في الصلاح لا يحد قاذفه، لأن القاذف لم يكذب، وإنما يعزّر لأنه أشاع ما يجب ستره وإخفاؤه فكذلك لو قذف شخصاً مشهوراً بالفسق والفجور. ولكن ليس معنى عدم إقامة الحد في هذه الصور الخمس أن قاذف (المجنون أو الصبي أو الكافر أو العبد أو غير العفيف) لا يستحق عقوبة بل إنه يستحق التعزير ويبلغ به غايته لأنه أشاع الفاحشة، وقد حذّر الله تعالى منها بقوله: {إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة} [النور: 19] الآية.
الحكم الرابع: ما هي ألفاظ القذف الموجبة للحد؟
تنقسم ألفاظ القذف إلى ثلاثة أقسام: (صريح، وكناية، وتعريض):
أما الصريح: فهو أن يصرح القاذف في كلامه بلفظ الزنى مثل قوله: (يا زاني، أو يا زانية، أو يا ابن الزنى) أو ينفي نسبه عنه كقوله: لست ابن أبيك فهذا النوع قد اتفق العلماء على أنه يجب فيه الحد.
أما الكناية: فمثل أن يقول: (يا فاسقة، يا فاجرة، يا خبيثة) أو هي لا تردُّ يدَ لامس، فهذه لا تكون قذفاً إلا أن يريده، وتحتاج إلى توضيح وبيان.
أما التعريض: فمثل أن يقول: (لست بزانٍ.. وليست هي بزانية)، وقد اختلف العلماء في التعريض هل هو من القذف الموجب للحد أم لا؟ فذهب (مالك) رحمه الله إلى أنه قذف، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يكون قذفاً إلا إذا قال أردت به القذف.
دليل مالك:
استدل مالك بما روي عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر: واللَّهِ ما أبي بزان، ولا أمي بزانية، فاستشار عمر في ذلك فقال قائل: مدح أباه وأمه وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا نرى أن تجلده الحد، فجلده ثمانين.
وقد حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة لما قال:
دع المكارمَ لا تَرْحل لبغيتها ** واقعد فإنك أنتَ الطّاعمُ الكاسي

لأنه شبهه بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون.
قال القرطبي: والدليل لما قاله (مالك) هو أن موضوع الحد في القذف إنما هو لإزالة المعرّة التي أوقعها القاذف بالمقذوف فإذا حصلت المعرة بالتعريض وجب أن يكون قذفاً وقد قال تعالى حكاية عن مريم: {ياأخت هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} [مريم: 28] فمدحوا أباها ونفوا عن أمها البغاء. وعرّضوا لمريم بذلك ولذلك قال تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} [النساء: 156] وكفرُهم معروف، والبهتانُ العظيم هو التعريض لها أي ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغيا، أي وأنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد.
دليل الشافعية والأحناف:
استدل الشافعي وأبو حنيفة بأن التعريض بالقذف محتمل للقذف ولغيره، والاحتمال شبهة والحدود تدرأ بالشبهات كما ورد في الحديث: (ادرءوا الحدود بالشبهات).
وقالوا: إن الله عز وجل قد فرّق بين (التصريح) و(التعريض) في عدة المتوفى عنها زوجها، فحرم التصريح بالخطبة، وأباح التعريض بقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء} [البقرة: 235] الآية.
فدل على أنهما ليسا في الحكم سواء... وروي عن الإمام أحمد رحمه الله روايتان: إحادهما أن التعريض ليس بقذف ولا حد فيه. والثانية: أنه قذف في حال الغضب دون حال الرضا.
ومما يدل على ما ذهب إليه (الشافعية والأحناف) ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها قال حمر، قال: فهل فيها أورق؟ قال: نعم، قال: فكيف ذاك؟ قال لعله نزعه عرق؟ قال: فلعل هذا نزعه عرق فلم يعتبر هذا قذفاً مع أنه تعريض بزنى الزوجة.
الحكم الخامس: ما هو حكم قاذف الجماعة؟
اختلف الفقهاء في حكم من قذف جماعة على ثلاثة مذاهب:
أ- المذهب الأول: مذهب القائلين بأن يحد حداً واحداً وهم الجمهور (أبو حنيفة ومالك وأحمد).
ب- المذهب الثاني: مذهب القائلين بأن عليه لكل واحد حداً وهم (الشافعي والليث).
ج- المذهب الثالث: مذهب الذين فرقوا بين أن يجمعهم في كلمة واحدة مثل أن يقول لهم: يا زناة أو يقول لكل واحد يا زاني. ففي الصورة الأولى يحد حداً واحداً، وفي الثانية عليه لك واحد منهم حد، وهو مذهب (ابن أبي ليلى، والشعبي).
دليل الجمهور: احتج أبو بكر الرازي على قول الجمهور بالكتاب والسنة، والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {والذين يَرْمُونَ المحصنات} والمعنى أن كل من رمى المحصنات وجب عليه الجلد وذلك يقتضي أن قاذف الجماعة من المحصنات لا يجلد أكثر من ثمانين فمن أوجب على قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فقد خالف الآية.
وأما السنة: فما روي عن ابن عباس أن (هلال بن أمية) قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة أو حد في ظهرك» فلم يوجب النبي على هلال إلا حداً مع أنه قذف زوجته وقذف معها (شريك ين سحماء).
وأما القياس: فهو أن سائر ما يوجب الحد إذا تكرر منه مراراً لم يجب إلا حد واحد، كمن سرق مراراً، أو شرب الخمر مراراً، لم يحد إلا حداً واحداً فكذا هاهنا.
أدلة الشافعية:
وأجاب الشافعية عن الأول بان قوله (والذين) صيغة جمع، وإذا قوبل الجمع بالجمع اقتضى القسمة على الآحاد، فيصير المعنى: كل من رمى محصناً واحداً وجب عليه الحد.
وأجابوا عن الثاني بأنه قذفهما بلفظ واحد وقد قال الشافعي- في القديم- لا يجب إلا حدٌ واحدٌ اعتبارا ً باللفظ.
وأجابوا عن القياس بأنه قياس مع الفارق فإن حد القذف حق الآدمي، بخلاف حد الزنى والشرب فإنه حق الله تعالى وحقوق الآدمي لا تتداخل.
الترجيح: والصحيح الراجح هنا هو رأي الجمهور لقوة أدلتهم لأنه لو قذف قبيلة فأقمنا عليه لكل واحدٍ حداً هلك، والله أعلم.
الحكم السادس: هل تشترط في الشهود العدالة؟
لم تذكر الآية الكريمة في صفة الشهداء أكثر من أنهم (أربعة) رجال من أهل الشهادة وللعلماء خلاف في أهل الشهادة من هم؟ فالشافعية يقولون: لا بد للشاهد أن يكون عدلاً، والحنفية يقولون: الفاسق من أهل الشهادة وعلى هذا تظهر ثمرة الخلاف؛ فإذا شهد أربعة فساق على المقذوف بالزنى فهم قذفةٌ عند الشافعية يحدون كما يحد القاذف الأول، والحنفية يقولون: لا حد على القاذف لأنه أتى بأربعة من أهل الشهادة، إلا أن الشرع لم يعتبر شهادتهم لقصور في (الفاسق) فثبت بشهادتهم شبهة الزنى فيسقط الحد عنهم وعن القاذف، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه، فكذلك وجب اعتبارها في نفي الحد عنه وعن الشهود.
وجه قول الشافعي رحمه الله: أنهم غير موصوفين بالشرائط في قبول الشهادة فخرجوا عن أن يكونوا شاهدين وبقوا محض قاذفين فيحدون حد القذف.
وقد ارجح ابن تيمية رحمه الله رأي الأحناف ودفع الحد عن الشهود. لوجود الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، كما وضَّحت ذلك السنَّة المطهرة.
الحكم السابع: هل يشترط في الشهود أداؤهم للشهادة مجتمعين؟
ظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين أن يؤدي الشهود شهادتهم مجتمعين أو متفرقين، وهذا مذهب (مالك والشافعي) رحمهما الله أخذاً بظاهر الآية.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا جاءوا متفرقين فعليهم حد القذف، ولا يسقط الحد عن القاذف.
حجة مالك والشافعي: أن الآية لم تشترط إلا أن يكونوا أربعة، ولم تَشْرط أداؤهم للشهادة مجتمعين، فيكفي في الشهادة كيفما اتفق مجتمعين، أو متفرقين، بل إن شهادتهم متفرقين أبعدُ عن التهمة، وعلى القاضي أن يفرقهم إذا ارتاب من أمرهم ليظهر له وجه الحق في أدائهم للشهادة هل هم صادقون أم كاذبون؟
حجة أبي حنيفة: أما حجة أبي حنيفة فهي أن الشاهد الواحد لما شهد بمفرده صار قاذفاً فيجب عليه الحد وكذلك الثاني والثالث، ولا خلاص من هذا الإشكال إلا باشتراط الإجتماع.. واستدل بحادثة (المغيرة بن شعبة) لما شهد عليه أربعة وخالف أحدهم في الشهادة جلدهم عمر وستأتي قصتهم قريباً إن شاء الله تعالى.
الحكم الثامن: هل عقوبة العبد مثل عقوبة الحر؟
اتفق الفقهاء على أن العبد إذا قذف الحر المحصن وجب عليه الحد، ولكن هل حده مثل حد الحر، أو على النصف منه؟ لم يثبت حكم ذلك في السنة المطهرة ولهذا اختلف الفقهاء فيه فالجمهور (وهو مذهب الأئمة الأربعة) على أن العبد إذا ثبت عليه القذف، فعقوبته (40) أربعون جلدة، لأنه حد يتنصف بالرق مثل حد الزنى، واستدلوا بقوله تعالى: {فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب} [النساء: 25] وذهب الأوزاعي وابن حزم وهو مذهب الشيعة إلى أنه يجلد (80) ثمانين جلدة، لأنه حد وجب صيانة لحق الآدميين إذ أن الجناية وقعت على عرض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرق والحرية.
ومن أدلة الجمهور ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال (أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بَعدهَم من الخلفاء وكلهم يضربون المملوك في القذف أربعين جلدة).. وعن علي كرم الله وجهه أنه قال (يجلد العبد في القذف أربعين).
قال ابن المنذر: والذي عليه الأمصار القول الأول (أي قول الجمهور) وبه أقول.
وردّ الجمهور بأن آية القذف خاصة بالأحرار، فالحر إذا قذف محصناً حد ثمانين جلدة، وأما العبد فحده أربعون، فقاسوا القذف على حد الزنى، والله تعالى أعلم.
الحكم التاسع: هل الحد حق من حقوق الله أو من حقوق الآدميين؟
ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الحد حق من حقوق (الله) ويترتب على كونه حقاً من حقوق الله تعالى ما يلي:
أ- أنه إذا بلغ الحاكم وجب عليه إقامة الحد وإن لم يطلب المقذوف.
ب- لا يسقط بعفو المقذوف عن القاذف، وتنفع القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى.
ج- يتنصف فيه الحد بالرق مثل الزنى.
وذهب (الشافعي ومالك) إلى أنه حق من حقوق (الآدميين) ويترتب عليه ما يلي:
أ- أن الإمام لا يقيمه إلا بطلب المقذوف.
ب- يسقط بعفو المقذوف عن القاذف.
ج- إذا مات المقذوف قبل إقامة الحد فإنه يورث عنه، ويسقط بعفو الوارث.
ويرى بعض الفقهاء أن (حد القذف) فيه شائبة من حق الله. وشائبة من حق العبد، ومما لا شك فيه أن في القذف تعديّا على حقوق الله تعالى، وانتهاكاً لحرمة المقذوف، فكان في شرع الحد صيانةً لحق الله، ولحق العبد فيكون الحد مزيجاً منهما... ولعلَّ هذا الأرجح والله تعالى أعلم.
الحكم العاشر: هل تقبل شهادة القاذف إذا تاب؟
حكم القرآن على القاذف بثلاثة أحكام:
الأول: أن يجلد ثمانين جلدة.
والثاني: أن لا تقبل له شهادة أبداً.
والثالث: وصفة بالفسق والخروج عن طاعة الله تعالى.
ثم عقّب الباري جل وعلا بعد هذه الأحكام الثلاثة بما يدل على (الاستثناء) فقال: {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قد اختلف الفقهاء في هذا (الاستثناء) هل يعود إلى الجملة الأخيرة فيرفع عنه وصف الفسق ويظل مردود الشهادة؟ أم أن شهادته تقبل كذلك بالتوبة؟ على مذهبين:
أ- مذهب أبي حنيفة: أن الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة {وأولئك هُمُ الفاسقون} فيرفع عنه وصف الفسق إذا تاب ولكن لا تقبل شهادته. ولو أصبح أصلح الصالحين، وهذا المذهب مروي عن (الحسن البصري والنخعي وسعيد بن جبير) وغيرهم من فقهاء التابعين.
ب- مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) أن الاستثناء راجع إلى الجملتين الأخيرتين {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وأولئك هُمُ الفاسقون} فإذا تاب قبلت شهادته ورفع عنه وصف الفسق وهذا المذهب مروي عن (عطاء وطاووس ومجاهد والشعبي وعكرمة) وغيرهم من علماء التابعين وهو الذي اختاره ابن جرير الطبري رحمهم الله أجمعين.
وهذا الاختلاف بين الفقهاء مردّه إلى قاعدة أصولية: وهي: (هل الاستثناء الوارد بعد الجمل المتعاطفة بالواو يرجع إلى الكل أو إلى الأخير)؟ فالشافعية والمالكية يرجعونه إلى الجميع، والأحناف يرجعونه إلى الأخير فقط والمسألة تطلب من كتب الأصول وليس هذا محل تفصيلها.
أدلة الأحناف:
استدل الأحناف على عدم قبول شهادة القاذف مطلقاً بما يلي:
أولاً: إن الاستثناء لو رجع إلى جميع الجمل المتقدمة لوجب أن يسقط عنه (الحد) وهو الجلد (ثمانين جلدة)، وهذا باطل بالإجماع، فتعَيّن أن يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط.
ثانياً: إن الله تعالى قد حكم بعدم قبول شهادته على التأبيد {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} فلفظ (الأبد) يدل على الدوام والاستمرار حتى ولو تاب وأناب وأصبح من الصالحين، وقبول شهادته يناقض هذه الأبدية التي حكم بها القرآن.
ثالثاً: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلاّ محدوداً في قذف» فإنه يدلّ على أن القاذف لا تقبل شهادته إذا حُدّ في القذف.
أدلة الجمهور:
وأما الجمهور فقد استدلوا على قبول شهادته بما يلي: أولاً: قالوا: إنّ التوبة تمحو الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فوجب أن يكون القاذف بعد التوبة مقبول الشهادة.
ثانياً: إنّ الكفر أعظم جرماً من القذف، والكافر إذا تاب تقبل شهادته فكيف لا تقبل شهادة المسلم إذا قذف ثم تاب؟ وقد قال الشافعي رحمه الله: عجباً يقبل الله من القاذف توبته وتردُّون شهادته.
ثالثاً: ما روي في حادثة (المغيرة بن شعبة) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب الحد الذين شهدوا على المغيرة وهم (أبو بكر، ونافع، ونفيع) حين قذفوه ثم قال لهم من أكذب نفسه قبلتُ شهادته ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب (نافع ونفيع) أنفسهما وكان عمر يقبل شهادتهما، وأما (أبو بكرة) فكان لا يقبل شهادته ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
رابعاً: وقالوا: إن الاستثناء في الآية الكريمة كان ينبغي أن يرجع إلى الكل ولكن لما كان (الجلد ثمانين) من أجل حق المقذوف وكان هذا الحق من حقوق العباد لم يسقط بالتوبة، فبقي رد الشهادة والحكم بالفسق وهما من حق الله فيسقطان بالتوبة.
يقول العلامة المودودي في (تفسير سورة النور) بعد أن ساق أدلة الفريقين:
فرأيُ الطائفة الأولى هو الأرجح عندي في هذه القضية فإن حقيقة توبة المرء لا يعلمها إلا الله. ومن تاب عندنا فإن غاية ما لنا أن نجامله به هو أن لا نسميه (الفاسق) ولا نذكره بالفسق وليس من الصحيح أن نبالغ في مجاملته، حتى نعود إلى الثقة بقوله لمجرد أنه قد تاب عندنا في ظاهر الأمر.
وزد على ذلك أن أسلوب عبارة القرآن بنفسه يدل دلالة واضحة على أن العفو المذكور في جملة: {إِلاَّ الذين تَابُواْ... وَأَصْلَحُواْ} إنما يرجع إلى جملة: {وأولئك هُمُ الفاسقون} لأن جلد القاذف ثمانين جلدة وعدم قبول شهادته جاء ذكرهما في العبارة بصيغة الأمر {فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} وجاء الحكم عليه بالفسق بصيغة الخبر {وأولئك هُمُ الفاسقون} فإذا جاء قوله تعالى: {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} بعد هذا الحكم الثالث مقترناً به فهو يدل بنفسه على أن هذا الاستثناء إنما يرجع إلى الجملة الخبرية الأخيرة ولا يرجع إلى جملتي الأمر الأوليين.. وليست التوبة عبارة عن تلفظ الإنسان بها باللسان بل هي عبارة عن شعوره بالندامة واعتزامه على إصلاح نفسه، ورجوعه إلى الخير، وكلّ ذلك مما لا يعلم حقيقة إلا الله، ولأجل هذا فإنه لا تغتفر بالتوبة (العقوبة الدنيوية) وإنما تغتفر بها (العقوبة الأخروية) فحسبُ... ومن ثمة فإن الله تعالى لم يقل: إلا الذين تابوا وأصلحوا فاتركوهم أو خلوا سبيلهم أو لا تعذبهم بل قال: {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فإنه لو كانت العقوبات الدنيوية أيضاً تغتفر بالتوبة فمن ذا الذي ترونه من الجناة لا يتوب اتقاء لعقوبته.
مذهب الشعبي والضحاك: وهناك مذهب وسط بين المذهبين هو مذهب (الشعبي والضحاك) فقد قالا: لا تقبل شهادة القاذف وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه أنه قال البهتان فيما قذف فحينئذ تقبل شهادته، قال شهيد الإسلام (سيد قطب) عليه الرحمة والرضوان: وأنا اختار هذا المذهب الأخير لأنه يزيد على التوبة إعلان براءة المقذوف باعترافٍ مباشر من القاذف وبذلك يُمْحَى آخرُ أثرٍ للقذف.
أقول: وهذا المذهب الذي اختاره سيد قطب تبدو عليه مخايل الجودة والإنصاف ويحقق العدل بين جميع الأطراف (القاذف والمقذوف) فلا يَظْلم أحداً منهما ولا يضيع حق الله، ولا حق العبد... فلعله يكون الأرجح والله تعالى أعلم.